وطنية

الرؤية الملكية تجعل الطاقة النظيفة رافعة استراتيجية لتنمية المغرب

عبد السلام الفطواكي

يواصل المغرب، منذ أكثر من عقد، مسارا متقدما في مجال التحول الطاقي، في إطار خيار استراتيجي حملت مشعله الرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وجعل من الطاقات المتجددة رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وعنصرا أساسيا في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات.

ومنذ إطلاق هذا التوجه، اعتمد المغرب مقاربة استباقية تقوم على رؤية بعيدة المدى ومشاريع مهيكلة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبمواكبة الوكالة المغربية للطاقة المستدامة «مازن»، بهدف بناء نموذج طاقي أكثر استدامة وتنويعا وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.

واليوم، باتت المملكة تتبوأ موقعا متقدما ضمن الدول الفاعلة في مجال الطاقات النظيفة، بعدما تحولت مشاريع الطاقة المتجددة إلى مكون أساسي من مكونات التنمية الوطنية.

ويجسد المركب الشمسي «نور ورزازات» أحد أبرز معالم هذه الدينامية، باعتباره مشروعا رائدا على الصعيد العالمي، بطاقة إجمالية مركبة تبلغ 600 ميغاواط.

ويشكل المركب واجهة للخبرة المغربية في مجال الطاقات المتجددة، إذ يوفر كهرباء خضراء تعادل الاستهلاك السنوي لنحو مليوني شخص، كما يساهم في تفادي انبعاث حوالي 900 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا.

ولم تقتصر هذه الدينامية على وسط المملكة، بل امتدت إلى الأقاليم الجنوبية، من خلال محطتي «نور العيون 1» و«نور بوجدور 1»، اللتين تتجاوز قدرتهما الإجمالية 100 ميغاواط، بما يعزز البعد المجالي للاستثمار في الطاقات المتجددة.

وفي مجال الطاقة الريحية، تتواصل الدينامية نفسها، لاسيما من خلال مشروع «نسيم كودية البيضاء» بالقرب من تطوان، الذي استفاد من عملية لإعادة تأهيل وتحديث التجهيزات، رفعت قدرته إلى 100 ميغاواط على المساحة العقارية نفسها، مع اعتماد تكنولوجيات حديثة تساهم في تحسين الأداء وخفض تكاليف الإنتاج.

وبفضل هذه المكتسبات، تسرع الوكالة المغربية للطاقة المستدامة حاليا تنزيل جيل جديد من المشاريع الكبرى، بإجمالي يتجاوز 5 جيغاواط.

ويأتي مركب «نور ميدلت» في صدارة هذه المشاريع، إلى جانب برامج «نور أطلس» و«نور للطاقة الشمسية الكهروضوئية متعددة المواقع»، فضلا عن البرنامج الريحي «نسيم».

ووفقا لتوقعات الوكالة، يرتقب أن تدخل المملكة، في أفق سنة 2030، حوالي 12 جيغاواط إضافية من قدرات الطاقات المتجددة حيز الخدمة على المستوى الوطني، مع ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في هذه الدينامية.

ويعكس هذا التوجه إرادة واضحة لمواكبة الارتفاع المتواصل في الطلب على الكهرباء، وتعزيز أمن المملكة الطاقي، وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ولا تقتصر الرؤية الملكية على إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، إذ وضع المغرب أيضا الأسس للتموقع ضمن واحدة من أبرز الصناعات الطاقية المستقبلية، ويتعلق الأمر بـالهيدروجين الأخضر.

وبفضل التوجيهات الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أطلق المغرب «عرض المغرب للهيدروجين الأخضر»، الذي تتولى «مازن» قيادته وتنسيق مختلف مكوناته.

وقد تم بالفعل اختيار سبعة مشاريع مندمجة للهيدروجين الأخضر ومشتقاته في مناطق الجنوب، ما يعكس قدرة المملكة على استقطاب مستثمرين وفاعلين اقتصاديين مغاربة ودوليين من مستوى رفيع.

ويبقى الرهان حاليا هو تحويل هذه الدينامية إلى استثمارات فعلية، ومشاريع مهيكلة، وفرص عمل مستدامة، إلى جانب بناء سلاسل قيمة صناعية وطنية مرتبطة بهذه الصناعة الطاقية الواعدة.

وتتميز الاستراتيجية المغربية كذلك بتركيزها على الأثر الاقتصادي والاجتماعي والمجالي للمشاريع الكبرى للطاقة المتجددة.

فالمشاريع التي تشرف عليها «مازن» تساهم في خلق فرص الشغل، وتكوين الكفاءات، ودعم التنمية في المناطق التي تحتضن هذه الاستثمارات. وقد وصلت نسبة التشغيل المحلي في بعض الأوراش إلى 85 في المائة، فيما تتجاوز نسبة الاندماج الصناعي في قطاع الطاقة الشمسية 40 في المائة.

كما استفاد مئات المهندسين والتقنيين المغاربة من تكوينات متخصصة في التكنولوجيات الحديثة، بدعم من منصة للبحث والتطوير تمتد على نحو 200 هكتار بورزازات، وتخصص لاختبار التقنيات في ظروف تشغيل حقيقية، بشراكة مع جامعات ومعاهد بحث وطنية ودولية.

وامتدت هذه الدينامية إلى دعم السكان المحليين، حيث تم، خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2025، إنجاز أكثر من 180 مبادرة في مجالات التعليم والصحة والماء الصالح للشرب والبنيات الأساسية ودعم الأنشطة المدرة للدخل، استفاد منها بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر من 110 آلاف شخص.

وفي أفق 2030، يطمح المغرب إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من مزيج إنتاج الكهرباء، في وقت يتوقع فيه أن يرتفع الطلب الوطني على الكهرباء بمعدل متوسط يصل إلى 7 في المائة سنويا، بالتوازي مع استمرار النمو الاقتصادي.

وبذلك، تتجاوز الرؤية الملكية في مجال التحول الطاقي مجرد إنتاج الكهرباء النظيفة، لتجعل من الانتقال الطاقي رافعة لـإزالة الكربون وتعزيز التصنيع والقدرة التنافسية وجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل المؤهلة.

وتتضح معالم الطموح المغربي في بناء نموذج طاقي قادر على توفير طاقة نظيفة وتنافسية، وتطوير صناعة وطنية مرتبطة بالتكنولوجيات الخضراء، وتعزيز الخبرات والكفاءات المغربية، وضمان استفادة المجالات الترابية والمجتمعات المحلية من ثمار هذا التحول.

وبعد أكثر من عقد على إطلاق هذه الدينامية، يواصل المغرب ترسيخ اختياره الاستراتيجي القائم على الاستباقية والاستمرارية، حيث أصبحت الطاقة النظيفة، بفضل الرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أحد المرتكزات الأساسية لنموذج التنمية الوطني، وأحد أهم رهانات المملكة لتعزيز مكانتها الاقتصادية والاستثمارية ومواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى