الناظور غرب المتوسط.. رؤية ملكية استراتيجية لربط الاقتصاد الوطني بسلاسل القيمة العالمية

عبد السلام الفطواكي
لم يكن مشروع المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط مجرد استثمار في البنية التحتية، بل جاء تجسيدًا لرؤية ملكية بعيدة المدى تروم جعل المغرب منصة لوجستية وصناعية عالمية، قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة الدولية واستقطاب الاستثمارات الكبرى. فمنذ إطلاق المشروع، راهن جلالة الملك محمد السادس على تطوير موانئ حديثة ومتكاملة، تكون رافعة للنمو الاقتصادي وأداة لتعزيز السيادة الاقتصادية والانفتاح على الأسواق العالمية.
وتندرج هذه الرؤية ضمن استراتيجية وطنية شاملة لتحديث المنظومة المينائية، انطلقت مع إعادة هيكلة القطاع وتطوير شبكة من الموانئ الكبرى، يتقدمها ميناء طنجة المتوسط، ثم ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشاريع تطوير موانئ الداخلة الأطلسي وآسفي والجرف الأصفر والقنيطرة. ويهدف هذا التوجه إلى توزيع الأنشطة اللوجستية والصناعية على مختلف جهات المملكة، بما يحقق العدالة المجالية ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويكتسي ميناء الناظور غرب المتوسط أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي على الواجهة المتوسطية، بالقرب من أهم خطوط الملاحة البحرية الدولية. ولا يقتصر دوره على مناولة الحاويات، بل يشكل قطبًا اقتصاديًا متكاملاً يضم منطقة صناعية ولوجستية وطاقية، بما يسمح باستقطاب الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتحويل جهة الشرق إلى بوابة اقتصادية جديدة تربط المغرب بالأسواق الأوروبية والإفريقية والمتوسطية.
كما يعكس المشروع التوجه الملكي نحو الانتقال من اقتصاد يقوم على التصدير التقليدي إلى اقتصاد يرتكز على الإنتاج الصناعي والخدمات اللوجستية المندمجة. فالموانئ الحديثة لم تعد مجرد فضاءات لاستقبال السفن، بل أصبحت حلقات أساسية في سلاسل التوريد العالمية، ومراكز لإعادة التصدير والتصنيع والخدمات، وهو ما يفسر الشراكات الدولية التي أبرمها المغرب مع كبريات الشركات العالمية لتدبير وتشغيل هذه المنشآت.
وفي هذا السياق، يشكل التكامل بين ميناء طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وباقي الموانئ الوطنية عنصرا أساسيا في تعزيز مكانة المملكة كقوة لوجستية إقليمية. فطنجة المتوسط رسخ موقعه ضمن أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، بينما ينتظر أن يساهم الناظور غرب المتوسط في استيعاب الطلب المتزايد على خدمات النقل البحري، وجذب استثمارات جديدة في مجالات الصناعة والطاقة والخدمات، بما يدعم تنافسية الاقتصاد المغربي ويخلق آلاف مناصب الشغل.
ومع اقتراب التشغيل الكامل للمركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، تتأكد ملامح الرؤية الملكية التي جعلت من البنية التحتية المينائية ركيزة للتنمية الاقتصادية. فالمغرب لا يكتفي اليوم بتطوير موانئ عصرية، بل يبني منظومة متكاملة تربط الإنتاج الوطني بشبكات التجارة العالمية، وتعزز اندماجه في سلاسل القيمة الدولية، بما يرسخ مكانته كمحور استراتيجي للتجارة والاستثمار بين أوروبا وإفريقيا والعالم.



