
بقلم: آية الأجراوي
لم تكن طنجة، خلال هذه السهرة، مجرد مدينة تحتضن حفلاً فنياً، بل تحولت إلى فضاء نابض بالذكريات، بعدما اعتلى مسلم الخشبة أمام جمهور يعرف أغانيه ويحفظ تفاصيل رحلته الفنية منذ سنواتها الأولى.
منذ بداية الحفل، كان واضحاً أن الجمهور جاء محملاً بانتظارات كبيرة. أصوات الهتافات ملأت المكان، فيما بدا التفاعل مع مسلم تلقائياً ومتواصلاً، وكأن اللقاء يجمع أصدقاء قدامى أكثر مما يجمع فناناً بجمهوره.
وبكلماته المعروفة «جيب العز ولا كحز»، أشعل مسلم حماس الحاضرين، قبل أن يوجه إليهم سؤاله المعتاد «واجدين؟»، ليأتيه الرد من الجمهور قوياً ومتناغماً، في صورة عكست حجم الحضور الجماهيري والارتباط باسمه.
غير أن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت مع انتقال مسلم إلى أرشيفه القديم. فقد أعاد أداء عدد من الأغاني التي تعود إلى أكثر من عشرين سنة، ليجد نفسه أمام جمهور لم ينس كلماتها رغم مرور كل هذه المدة.
كان المشهد أشبه بعودة جماعية إلى زمن مختلف؛ زمن كانت فيه أغاني الراب تُتداول بين الأصدقاء وترافق تفاصيل الحياة اليومية لجيل كامل. وما زاد المشهد خصوصية أن الحاضرين لم ينتظروا مسلم ليذكرهم بالكلمات، بل سبقوه إلى ترديدها، في دليل على أن تلك الأعمال ما زالت تحتفظ بمكانتها في الذاكرة.
وبعيداً عن الأغاني، حمل الحفل معنى خاصاً لمسلم باعتباره ابن طنجة. فالعودة إلى المدينة التي ارتبط بها اسمه منذ بداياته تمنح كل لقاء معها بعداً مختلفاً، خصوصاً عندما يجد الفنان نفسه أمام جمهور عاصر مراحل من رحلته وتابع تطور تجربته على امتداد السنوات.
السهرة كشفت أيضاً أن العلاقة بين مسلم وجمهوره لا تقوم فقط على جديد الأعمال، وإنما على رصيد طويل من الثقة والذكريات. فحين اجتمعت أغاني الماضي مع حماس الحاضر، بدا واضحاً أن الجمهور لم يفقد صلته بالموسيقى التي رافقت مرحلة من حياته.
وهكذا أسدل الستار على سهرة طنجة، لكن صداها لم ينتهِ بانتهاء الموسيقى. فقد كانت ليلة أعادت إلى الواجهة قيمة الذاكرة الفنية، وأكدت أن الأغنية التي تلامس الجمهور بصدق تستطيع أن تعيش طويلاً، وأن المدينة التي شهدت البدايات يمكن أن تظل دائماً المكان الأكثر قدرة على الاحتفاء بها.







