الرئيسية

مجلس السلام من دافوس: المغرب في قلب إعادة تشكيل الشرعية الدولية

ماظور24

لم يكن الإعلان عن إحداث مجلس السلام خلال منتدى دافوس، يوم الجمعة 22 يناير 2026، خطوة بروتوكولية عابرة أو مجرد إضافة شكلية إلى أجندة الدبلوماسية الدولية، بل شكّل لحظة فارقة في مسار إعادة تشكيل النظام العالمي. فقد عكست هذه المبادرة تحوّلًا عميقًا في منطق الشرعية الدولية، حيث لم تعد الخطابات الرنانة ولا القرارات الأممية كافية لضمان الاستقرار، بقدر ما أصبح الوزن الحقيقي للدول يُقاس بقدرتها الفعلية على منع الأزمات وصناعة التوازنات.

إطلاق هذه الآلية الجديدة، بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يؤشر بوضوح على بداية مرحلة تجاوز أعطاب المنظومة الأممية التقليدية. فبدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد وقوعها، يسعى مجلس السلام إلى جمع الدول القادرة على منعها أو احتوائها بفعالية قبل انفجارها. وفي هذا السياق، يبرز المغرب ليس كضيف عابر على هذه المبادرة، بل كفاعل مؤسس وشريك أساسي في هندسة هذا التوجه الجديد، في مقابل غياب جزائري لافت، يضعها عمليًا في “قاعة الانتظار” دون أفق واضح.

انضمام المملكة المغربية إلى الدائرة الأولى لمجلس السلام لم يكن نتاج اصطفاف ظرفي أو مكافأة سياسية عابرة، بل تتويجًا لمسار طويل من الثقة المتبادلة مع الولايات المتحدة الأمريكية. مسارٌ ترجمته السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية صريحة، تجاوزت منطق التحالفات التقليدية إلى منطق الاعتماد المتبادل. فواشنطن لم تعد تنظر إلى الرباط كحليف إقليمي محدود الدور، بل كركيزة أساسية في المعادلة الأمنية الإقليمية، بفضل ما راكمه المغرب من استقرار داخلي، وحضور دبلوماسي متزن، وقدرة عملية على تدبير الملفات المعقدة، سواء في الساحل الإفريقي أو في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب.

وفي هذا الإطار، يكتسب إعفاء المغرب من المساهمة المالية المفروضة على الدول الراغبة في الانضمام إلى مجلس السلام دلالته العميقة. فالأمر لا يتعلق بامتياز مالي أو معاملة تفضيلية، بل باعتراف ضمني بأن القيمة التي يقدمها المغرب تتجاوز منطق التمويل. فمجلس السلام لا يبحث عن الموارد بقدر ما يبحث عن المصداقية، ولا يراهن على المال بقدر ما يراهن على الدول التي تمتلك رصيدًا حقيقيًا من الثقة والتأثير.

هذا التحول يعكس منطقًا جديدًا في العلاقات الدولية، حيث لم يعد الانتماء إلى المؤسسات مرهونًا بالخطاب أو القدرة على الدفع، بل بالقدرة على الفعل وتحقيق النتائج. والمغرب، من خلال تجربته في الإصلاحات الداخلية، ومقاربته الواقعية للملفات الإقليمية، استطاع أن يفرض نفسه كنموذج للاستقرار في محيط مضطرب، وكشريك موثوق في مبادرات السلم والأمن الدوليين.

في المقابل، يسلط هذا التطور الضوء على مأزق الدبلوماسية الجزائرية، التي ما زالت حبيسة خطاب تقليدي، غير قادر على مواكبة التحولات العميقة في منطق النظام الدولي. فبينما ينتقل العالم نحو آليات عملية قائمة على الفعالية والإنجاز، تجد الجزائر نفسها خارج دوائر التأثير، عاجزة عن ترجمة مواردها وإمكاناتها إلى نفوذ حقيقي.

خلاصة القول، إن مجلس السلام كما أُعلن عنه من دافوس، ليس مجرد هيئة جديدة، بل مؤشر على ميلاد مرحلة دولية مختلفة، تُكافأ فيها الدول القادرة على صناعة الاستقرار لا تلك التي تكتفي بالتنظير له. وفي هذه المعادلة الجديدة، يرسخ المغرب موقعه كفاعل محوري، لا بالخطاب، بل بالفعل، ولا بالتموقع الظرفي، بل برصيد متراكم من الثقة والمصداقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى