
ناظور24 طارق الشامي
في ذاكرة الناظور الثقافية، لا تزال بعض التواريخ محفورة كوشمٍ جميل لا يبهت، تعود بنا إلى زمن كان فيه المسرح حدثًا جماعيًا، والفرجة طقسًا، والكلمة فعلَ مقاومة وأمل. من بين تلك اللحظات، يبرز عرض مسرحية “ءاغيور ءينو ءيعيزان” بسينما الريف منتصف تسعينيات القرن الماضي، كإحدى العلامات المضيئة في تاريخ المسرح الأمازيغي بالمدينة.

كانت سينما الريف آنذاك أكثر من قاعة عروض؛ كانت ملتقى للطلبة، والمثقفين، والعائلات، وعشاق الخشبة، حيث تمتزج رائحة المقاعد القديمة بحرارة التصفيق، ويصمت الجميع حين تنطفئ الأنوار، انتظارًا للحظة السحر. هناك، قُدمت المسرحية بلغة أمازيغية صادقة، قريبة من نبض الناس، حاملةً همومهم وأسئلتهم اليومية في قالب ساخر وإنساني عميق.
تحكي “ءاغيور ءينو ءيعيزان” عن الإنسان البسيط، عن التهميش، عن المفارقات الاجتماعية، وعن الحلم المؤجل، بأسلوب يجمع بين الكوميديا السوداء والنقد اللاذع، دون أن يفقد دفئه الإنساني. وقد شكّل العمل آنذاك تجربة فنية جريئة، أكدت أن المسرح الأمازيغي ليس مجرد تعبير فلكلوري، بل مشروع فني وفكري متكامل.

اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، يعود ذلك العرض في الذاكرة كصورة قديمة بالأبيض والأسود، لكنها نابضة بالحياة. نستعيد وجوه الممثلين، صدى الحوارات، وضحكات الجمهور التي كانت تخفي في عمقها وجعًا مشتركًا. نستعيد زمنًا كان فيه المسرح يصنع الحدث، ويمنح للمدينة روحًا أخرى.
إن استحضار هذه اللحظة ليس حنينًا فارغًا للماضي، بقدر ما هو دعوة للتأمل في ما كان، وفي ما يمكن أن يكون. فذاكرة المسرح بالناظور، كما “ءاغيور ءينو ءيعيزان”، تذكرنا بأن الخشبة كانت دائمًا مرآة المجتمع، وأن الفن حين يكون صادقًا، لا يشيخ… بل يتحول إلى نوستالجيا دافئة، نعود إليها كلما اشتقنا لزمن المعنى.



