ميناء الناظور غرب المتوسط.. بنية مينائية جديدة لتعزيز السيادة البحرية للمغرب

عبد السلام الفطواكي
تعود جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله اليوم الأربعاء، حول مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لتعيد بقوة إلى الواجهة القيمة الاستراتيجية لهذا الورش العملاق، ليس فقط كمشروع بنية تحتية، بل كاختيار سيادي واعي جعل منه جلالة الملك رافعة حقيقية للانعتاق الاقتصادي، والتحرر من منطق التبعية، والتحكم في سلاسل الإنتاج الوطني، وترسيخ سيادة المغرب على بحره وموقعه الجيواقتصادي.
فمشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لا يمكن قراءته خارج الرؤية الملكية بعيدة المدى التي عبر عنها جلالة الملك بوضوح في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الحادية عشرة سنة 2021، حين شدد على ضرورة تعزيز الأمن الاستراتيجي والطاقي للمملكة. ومن هذا المنظور، يشكل هذا الميناء منعطفا حاسما في تأمين حاجيات البلاد، وتنويع مصادرها، وتقوية استقلال قرارها الاقتصادي في عالم يتسم بالاضطراب والتنافس الحاد على الموارد والممرات البحرية.
الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح حجم الرهان، فقد نجح المشروع إلى حدود اليوم في استقطاب استثمارات تناهز 20 مليار درهم، وهو رقم يعكس بجلاء الثقة الإقليمية والدولية في المغرب كقطب مينائي وازن على الواجهة المتوسطية، وكمنصة صناعية ولوجستيكية قادرة على استيعاب المشاريع الكبرى وربطها بالأسواق العالمية، هذه الدينامية ليست وليدة الصدفة، بل ثمرة ذكاء استراتيجي ملكي أحسن قراءة التحولات الجيواقتصادية، واستبق إعادة رسم خرائط التجارة العالمية.
ويقع ميناء الناظور غرب المتوسط على بعد 130 ميلا بحريا من مضيق جبل طارق، في موقع بالغ الحساسية والأهمية، برصيف مينائي يمتد على طول 4 كيلومترات، ويضم مناطق جديدة مخصصة للاستثمار تمتد على مساحة 700 هكتار، باستثمارات إضافية تقدر ب 3.2 مليار درهم. هذه المعطيات تجعل من الميناء ليس مجرد نقطة عبور، بل منصة صناعية ولوجستيكية متكاملة، قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل التراب الوطني.
ولا يقتصر الأثر المنتظر للمشروع على الأبعاد الماكرو-اقتصادية، بل يمتد ليشمل النسيج الاجتماعي والمجالي. إذ يرتقب أن يساهم الميناء في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وضخ مداخيل مهمة في الاقتصاد المحلي، بما يعزز التنمية الاقتصادية للمناطق المحيطة، ويحسن ظروف عيش الساكنة، ويحد من الفوارق المجالية التي طالما شكلت تحديا تنمويا.
ووعيا من جلالة الملك بأن المشاريع الكبرى لا تؤتي أكلها دون محيط داعم، سيواكب هذا الورش برنامج واسع لتطوير البنيات التحتية الطرقية والسككية، بما يضمن الربط الفعال بين الميناء وعمقه الوطني، ويعزز الاندماج المجالي، ويدعم تنمية جهوية متوازنة، تجعل من شرق المملكة قطبا اقتصاديا حقيقيا، لا مجرد هامش جغرافي.
إن ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشاريع مماثلة كطنجة المتوسط والورش الصناعي والطاقي الوطني، يجسد رؤية ملكية متبصرة راهنت على السيادة الاقتصادية كمدخل أساسي للسيادة السياسية، وعلى التحكم في الإنتاج والممرات البحرية كشرط للتحرر من كل أشكال الارتهان، وهي رؤية تؤكد مرة أخرى أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يسعى إلى صناعتها والتحكم في مساراتها، بثقة وجرأة وحكمة استراتيجية.


