من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي.. رؤية ملكية ترسخ المغرب كقوة بحرية ولوجستية عالمية

عبد السلام الفطواكي
يشق المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، طريقه بثبات نحو ترسيخ مكانته كقوة بحرية ولوجستية رائدة، مستنداً إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من الموانئ رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والانفتاح على التجارة العالمية وتعزيز الاندماج الإقليمي والقاري.
فعلى مدى العقدين الماضيين، لم يقتصر توجه المملكة على تطوير موانئ تقليدية، بل انخرطت في بناء منظومة مينائية متكاملة تضم ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، في إطار الاستراتيجية الوطنية للموانئ 2030، التي تهدف إلى استثمار الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، بما يعزز جاذبية المملكة للاستثمارات ويرفع تنافسية اقتصادها وصناعاتها.
ويُعد ميناء طنجة المتوسط أبرز تجليات هذه الرؤية، إذ تحول منذ إطلاقه إلى واحد من أكبر مراكز الشحن البحري في العالم وحافظ خلال سنة 2025 على صدارته كأكبر ميناء في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. ويعالج الميناء أكثر من 8 ملايين حاوية نمطية (TEU) سنوياً، كما يشكل محركاً صناعياً مهماً من خلال احتضانه لنحو 1400 شركة توفر حوالي 130 ألف فرصة عمل في قطاعات السيارات والطيران والمنسوجات والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة.
غير أن رؤية الملك محمد السادس لم تتوقف عند نجاح طنجة المتوسط، بل قامت على إنشاء شبكة متكاملة من الموانئ المتخصصة والمتكاملة، بما يضمن توزيعاً أفضل للحركة التجارية ويواكب التحولات المتسارعة في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا الإطار، يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط، الواقع شمال شرق المملكة، لبدء عملياته خلال الربع الأخير من سنة 2026، ليشكل امتداداً استراتيجياً لطنجة المتوسط ويعزز قدرات المغرب في مجالات الشحن العابر والطاقة والصناعة.
وسيتمكن الميناء، في مرحلته الأولى، من مناولة نحو 5 ملايين حاوية سنوياً، إضافة إلى معالجة 35 مليون طن من البضائع السائلة والجافة، مع إمكانية توسيع طاقته الاستيعابية مستقبلاً. كما سيحتضن أول بنية تحتية مغربية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب منطقة صناعية ولوجستية واسعة تمتد على مئات الهكتارات، ما يجعله أحد أهم المشاريع الاقتصادية بالمملكة.
أما في جنوب البلاد، فيمثل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أكثر المشاريع طموحاً ضمن الرؤية الملكية لتنمية الواجهة الأطلسية للمغرب. ويُنجز المشروع باستثمار يفوق 12 مليار درهم، وسيكون قادراً على مناولة نحو 35 مليون طن من البضائع سنوياً، مع إحداث منطقة صناعية ولوجستية تمتد على مساحة 1650 هكتاراً.
ويرتبط هذا المشروع بشكل وثيق بالمبادرة الملكية الأطلسية، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس بهدف تمكين دول الساحل الإفريقي من منفذ استراتيجي نحو المحيط الأطلسي والأسواق العالمية، بما يعزز التعاون جنوب-جنوب ويكرس دور المغرب كشريك رئيسي في تنمية القارة الإفريقية.
وبتكامل أدوار موانئ طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، تتشكل منظومة بحرية متقدمة تتجاوز وظيفة النقل والشحن، لتصبح ركيزة أساسية لدعم التصنيع الوطني، وتطوير سلاسل التصدير، وتعزيز أمن الطاقة، وإطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، وترسيخ مكانة المغرب كمركز لوجستي عالمي وجسر يربط أوروبا بإفريقيا والعالم الأطلسي.



