محلية

مهرجان الناظور… من يحتفل بصورة المدينة ومن يموّلها؟

طارق الشامي

كلما حل فصل الصيف، تتحول مدن المملكة إلى منصات مفتوحة للثقافة والفن، وتتنافس على استقطاب الزوار وإبراز مؤهلاتها السياحية والاقتصادية. ولم يعد تنظيم المهرجانات مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية التنمية الترابية، وأداة لتسويق المدن وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية. لهذا السبب، تحرص مؤسسات عمومية كبرى، وأبناك، وشركات وطنية، ووكالات تنمية، على رعاية هذه التظاهرات، لأنها تدرك أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في صورة المدينة وفي الاقتصاد المحلي.

في هذا السياق، تستعد الناظور لاحتضان الدورة الثانية عشرة للمهرجان المتوسطي، من 31 يوليوز إلى 2 غشت 2026، تحت شعار “الناظور في لقاء مع العالم”. وهو حدث ثقافي بات يشكل موعداً سنوياً ينتظره سكان الإقليم والجالية المغربية المقيمة بالخارج، لما يتيحه من فسحة للترفيه والانفتاح على تجارب فنية متنوعة، فضلاً عن مساهمته في تنشيط الحركة التجارية والسياحية خلال ذروة الموسم الصيفي.

غير أن المهرجان، مثل الدورات السابقة، يطرح سؤالاً يتجاوز البرمجة الفنية ليصل إلى جوهر التنمية المحلية: لماذا لا يحظى هذا الموعد الثقافي بانخراط واسع من المؤسسات الاقتصادية والمالية التي تنشط داخل الإقليم؟ ولماذا يظل الدعم محصوراً في عدد محدود من الشركاء، بينما تستفيد عشرات المؤسسات من الحركية الاقتصادية التي تعرفها الناظور طوال السنة، وخاصة خلال موسم عودة أفراد الجالية؟

إن المتتبع للمشهد يلاحظ غياب أسماء وازنة من عالم المال والأعمال عن قائمة الداعمين، رغم أن هذه المؤسسات ترفع في تقاريرها السنوية شعارات المسؤولية الاجتماعية والاستثمار في التنمية المستدامة. والسؤال هنا لا يتعلق بتمويل حفلات فنية أو عروض موسيقية، بل بالمساهمة في مشروع ثقافي يمثل واجهة الإقليم، ويعكس صورته أمام آلاف الزوار والمتابعين داخل المغرب وخارجه.

فالواقع يؤكد أن المهرجانات أصبحت اليوم محركاً اقتصادياً حقيقياً. فهي تنعش الفنادق والمطاعم والمقاهي ووسائل النقل والأسواق المحلية، وتوفر فرص عمل موسمية، وتخلق حركية تجارية يستفيد منها الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هذا المنطلق، فإن مساهمة القطاع الخاص في تمويل هذه التظاهرات ليست منحة أو صدقة، وإنما استثمار يعود بالنفع على المدينة وعلى الفاعلين الاقتصاديين أنفسهم.

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نقارن الناظور بمدن أخرى، خصوصاً داخل جهة الشرق، حيث تتحول المهرجانات إلى مشاريع جماعية تنخرط فيها السلطات، والمؤسسات العمومية، والقطاع الخاص، والجماعات الترابية، في إطار تعبئة شاملة تعكس إيمان الجميع بأن الثقافة عنصر أساسي في التنمية. وفي المقابل، تبدو الناظور وكأنها مطالبة كل سنة بإثبات قدرتها على تنظيم مهرجان بإمكانات محدودة، رغم أنها تعيش واحدة من أكبر الديناميات الاقتصادية بالمملكة بفضل ميناء الناظور غرب المتوسط، ومشاريع البنية التحتية، والحضور القوي للجالية المغربية المقيمة بالخارج.

ولا يمكن أيضاً تجاهل التساؤلات المرتبطة بغياب بعض المؤسسات العمومية والوكالات ذات الطابع التنموي، والتي يفترض أن يكون دعم المبادرات الثقافية جزءاً من اختصاصاتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بتظاهرات ذات إشعاع جهوي وقادرة على الترويج لصورة الإقليم وجذب الزوار إليه.

وفي الوقت نفسه، يفرض الواقع مراجعة شاملة لآليات استقطاب الشركاء والرعاة. فنجاح أي مهرجان لا يقاس فقط بجودة برمجته، بل أيضاً بقدرته على بناء شبكة دعم مستدامة تجمع بين القطاعين العام والخاص، وتقوم على رؤية واضحة للمصالح المشتركة. وقد يكون من الضروري فتح حوار مؤسساتي مع الفاعلين الاقتصاديين لفهم أسباب هذا العزوف، والعمل على تجاوز العقبات التي تحول دون انخراطهم بشكل أكبر.

الناظور اليوم ليست مدينة هامشية حتى يعامل مهرجانها باعتباره حدثاً ثانوياً. إنها مدينة متوسطية، وبوابة اقتصادية واعدة، وفضاء يحتضن مشاريع استراتيجية كبرى، وتستقبل سنوياً مئات الآلاف من أبناء الجالية المغربية. ومن الطبيعي أن يكون لها مهرجان يوازي هذا الطموح، وأن يجد من يؤمن به ويدعمه.

ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول الدورة الثانية عشرة إلى بداية مرحلة جديدة، لا يقتصر فيها الحديث على نجاح السهرات أو عدد الحضور، بل يمتد إلى بناء نموذج حقيقي للشراكة بين المؤسسات والجماعات الترابية والقطاع الخاص، حتى يصبح مهرجان الناظور مشروعاً تنموياً مشتركاً، يعكس مكانة الإقليم ويعزز حضوره على الخريطة الثقافية الوطنية.

فالثقافة ليست ترفاً، والمهرجانات ليست مناسبة عابرة. إنها استثمار في الإنسان، وفي صورة المدينة، وفي مستقبلها الاقتصادي. وعندما تؤمن المؤسسات بهذه الحقيقة، لن يكون شعار “الناظور في لقاء مع العالم” مجرد عنوان لدورة مهرجان، بل رؤية تنموية تجد ترجمتها على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى