وطنية

على هامش الحرب في الشرق الأوسط: ذكاء المغاربة السياسي… من التعاطف الإنساني إلى تفكيك خطابات المزايدة

طارق الشامي

في كل مرة تشتعل فيها منطقة الشرق الأوسط، لا تبقى تداعيات الحرب محصورة في جغرافيتها الضيقة، بل تمتد أصداؤها إلى الفضاءات السياسية والإعلامية في مختلف أنحاء العالم. المغرب بدوره يتفاعل، بحكم انتمائه العربي والإسلامي واهتمامه بالقضايا العادلة، مع ما يجري من تطورات دامية ومؤلمة. غير أن ما يميز التفاعل المغربي في الظرفية الراهنة هو بروز مستوى متقدم من الوعي الشعبي والسياسي، يكشف عن ذكاء جماعي في قراءة السياقات وتمييز النوايا.

المغاربة اليوم لا يتعاملون مع الأحداث الدولية بعاطفة مجردة فقط، بل بمنهج نقدي يوازن بين البعد الإنساني والرهانات السياسية. فالتضامن مع ضحايا الحروب مبدأ أخلاقي راسخ، لكنهم في المقابل أصبحوا أكثر إدراكًا لمحاولات بعض الفاعلين استغلال هذه اللحظات الحساسة لإعادة ترتيب مواقعهم داخل الساحة الوطنية.

لقد كشفت التحركات الأخيرة أن جزءًا من الطيف السياسي، خصوصًا بعض مكونات أقصى اليسار المتطرف وجماعات ذات مرجعية دينية متشددة، يسعى إلى بناء تقاطعات ظرفية رغم التناقضات الفكرية العميقة التي تفصل بينها. هذا التقاطع لا ينبع من مراجعة فكرية أو مشروع مجتمعي مشترك، بل من حسابات مرحلية تستثمر حرارة الحدث الدولي لخلق دينامية احتجاجية تعيد هذه الأطراف إلى الواجهة.
غير أن المزاج العام تغيّر. فالمغاربة، بفضل التحول الرقمي وانتشار مصادر المعرفة وتراكم التجربة السياسية، أصبحوا يقرؤون ما وراء الخطاب. لم تعد الشعارات الكبرى كافية لإقناع الرأي العام، ولا الخطابات الانفعالية قادرة على صناعة الإجماع. المواطن اليوم يسأل عن البدائل، عن البرامج، وعن الاتساق بين القول والفعل.

هذا التحول يعكس نضجًا سياسيًا يتجاوز ردود الفعل الآنية. فالمجتمع المغربي خبر، عبر عقود، أشكالًا متعددة من التوظيف السياسي للقضايا الخارجية، وعاين كيف يمكن أن تتحول المواقف المبدئية إلى أدوات ضغط أو منصات لتصفية الحسابات مع مؤسسات الدولة أو مع خصوم سياسيين. لذلك أصبح يميز بوضوح بين النقد البنّاء الذي يعزز النقاش الديمقراطي، وبين المزايدة التي تبحث عن بطولة إعلامية عابرة.

كما أن خصوصية المغرب، الذي اختار منذ سنوات نهجًا دبلوماسيًا متوازنًا يقوم على دعم الحلول السلمية واحترام الشرعية الدولية، تجعل قطاعات واسعة من الرأي العام أكثر حذرًا من الانجرار وراء دعوات تصعيدية قد تخلط بين التضامن المشروع والانخراط في استقطابات إقليمية معقدة.

إن ذكاء المغاربة اليوم لا يتمثل فقط في رفضهم للركوب السياسي على المآسي، بل أيضًا في قدرتهم على الجمع بين التعاطف الإنساني والحفاظ على استقرارهم الداخلي. فهم يدركون أن قوة أي دولة لا تقاس بحدة الشعارات، بل بصلابة جبهتها الداخلية وبقدرتها على إدارة اختلافاتها بعيدًا عن التشنج.

وعلى هامش الحرب، يبرز درس أساسي: الرأي العام المغربي لم يعد ساحة سهلة للتعبئة العاطفية أو الاستقطاب الإيديولوجي. لقد تطور النقاش العمومي، وأصبح المواطن فاعلًا ناقدًا، لا مجرد متلقٍ للخطابات. وفي زمن الأزمات، يثبت المجتمع المغربي أن وعيه الجماعي هو خط دفاعه الأول ضد كل محاولات الاستغلال السياسي، مهما كان مصدرها أو شعارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى