محلية

الحاج محمد التوزاني… ابن تفرسيت الذي سكن قلوب الناظوريين

عن صفحة نشرة قلعية

من ريفٍ عنيدٍ في كبريائه، من تفرسيت التي تعرف معنى الصبر والعمل، جاء الحاج محمد التوزاني إلى الناظور لا باحثا عن مجد، بل صانعا له. جاء يحمل في قلبه همة الجبل، وفي يديه حرفة البناء، وفي عينيه حلم مدينة تكبر.

كان من رجال الأعمال الذين لا يعدون المال غاية، بل وسيلة لعمران الأرض. فكان أول من شيد معملا للآجور في جماعته، لبنة تلو لبنة، حتى صارت بيوت الناس من صنع يده. وكان من الأوائل الذين فتحوا وكالة للتأمينات بشارع طنجة، فأمن للناس أرزاقهم وطمأن قلوبهم في زمن كانت فيه الجرأة على المبادرة عملة نادرة.

ولم يكن الحاج محمد رقما في سجل الأعيان، بل كان عنوانا. عنوانا للهيبة بلا غرور، وللوجاهة بلا تكلف. دخل الأسواق فعرفته، ودخل البيوت فأحبته. كان صديقا للجميع، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وغريب. وجه بشوش، وروح مرحة، وكلمة طيبة تسبق السلام.

وكان إلى جانب ذلك صاحب نكتة. لا يمر مجلس إلا وأدخل عليه السرور بملحة أو طرفة، لا تجرح ولا تهين. كان يضحك فيُضحك، ويكسر حدة النقاش بابتسامة، ويجعل الثقيل خفيفا. فإذا دخل مكانا امتلأ دفئا، وإذا تكلم التفتت إليه القلوب قبل الآذان.

ولكن أعظم ما امتاز به، وأبقى ما تركه، أنه كان جسرا بين المتخاصمين. إذا اشتد الخلاف ذكروا اسمه، وإذا تعقد الأمر نادوا عليه. كان يصلح بين الناس لا بالخطابة، بل بالحكمة، ولا بالسلطة، بل بالمحبة. يمتص الغضب بابتسامة، ويطفئ النار بكلمة، ويخرج من المجلس والقلوب راضية.

غاب الحاج محمد التوزاني عن الدنيا، غاب الجسد الذي تعب في البناء، والصوت الذي كان يلم الشمل ويملأه بالضحك الطيب. لكنه لم يغب من الذاكرة. بقي اسمه على لسان كل ناظوري، في السوق وفي المقهى وفي مجالس الصلح. بقي لأنه كان محبوبا، والمحبة لا تدفن.

اليوم حين تمر بشارع طنجة وتلمح واجهة قديمة، فتتذكر الرجل وحين يسمع الناس عن رجل أصلح بين اثنين وأضحكهم بعد الخصام، سيقال: هذا من خصال الحاج محمد التوزاني

رحل ابن تفرسيت، لكنه ترك ثلاثة أشياء لا تموت: معملا قامت على أساسه بيوت، وقلبا جمع بين الناس، وروحا جعلت الضحك دواء.

رحم الله الحاج محمد التوزاني. كان رجلا، وكان وطنا صغيرا يمشي بيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى