
عبددالسلام بوطيب
منذ طفولتي، لم تكفّ مدينة مليلية عن إبهاري. فمن مناطق محاذية لها، انطلق والدي بداية الستينات نحو الحسيمة بحثاً عن لقمة العيش بين بني ورياغل، و بقيوة و بقايا الإسبان الذي فضلوا البقاء بينا على العودة إلى بلدهم الذي كان يعيش في فقر مدقع آنذاك. وظلّت المدينة، في وجداني، مرتبطةً بتلك الذاكرة العائلية الأولى. ورأيت فيها، وما زلت أرى، أجمل مدينة في العالم، حتى وإن كان هذا الحب و التعلّق يثير استغراب كثير من أصدقائي، وربما اعتراض بعضهم ممن يعرفون المدن الكثيرة والمتنوعة التي زرتها في القارات الخمس ، و التي تفوق بحسبهم ، مليلية ، جمالا ورونقا مليون مرة .
لكن للحب أحكام… فالمدن، مثل البشر، لا تُحبّ دائماً لأنها الأجمل، بل قد تصبح الأجمل لأننا نحبّها.
غير أن حبّي العميق لهذه المدينة لم يمنعني قط من الشعور بالحزن كلما ولجتها ووقفت أمام العبارة المكتوبة عند مدخلها: «زوروا إفريقيا من دون أن تغادروا أوروبا». فهذه العبارة ، التي كتبت بمداد من محبرة استعمارية، ليست مجرد شعار سياحي عابر أو بريء؛ بل هي اختزال مكثّف لتصور سياسي وجغرافي موروث من زمن الاستعمار، يحوّل إفريقيا إلى فضاء للزيارة والفرجة، فيما تظل أوروبا المرجع الذي يُفترض أن يمنح المكان هويته وشرعيته وانتماءه الحضاري.
أليست هذه العبارة، في جوهرها، عنواناً لمرحلة تاريخية طال أمدها، وحان الوقت لإغلاقها؟ ألا يبدأ بناء المستقبل بالاعتراف بأن مليلية ليست هامشاً أوروبياً معلّقاً على الضفة الإفريقية، بل مدينة مغربية متجذّرة في جغرافيا شمال إفريقيا وتاريخها وذاكرتها الأمازيغية؟ مدينة لا يمكن التفكير في مستقبلها خارج الحوار المغربي الإسباني، ولا بعيداً عن معالجة وضعها ضمن القضايا الذاكرة المشتركة الحارقة بين البلدين، بما يسمح بتجاوز ما خلّفته الهيمنة الاستعمارية من حدود ورموز وتمثّلات غير متكافئة.
إن حبّ المدن لا يعني الصمت عن التناقضات التاريخية والسياسية التي تسكنها، بل يقتضي امتلاك الشجاعة الأخلاقية والفكرية لتخيّل مستقبلها خارج منطق الاستعمار، وأوهام التفوق الحضاري، وانتقائية الذاكرة.
فالوفاء الحقيقي لمليلية لا يكون بتجميدها داخل شعارات الماضي، وإنما بتحريرها من رواسبه وإعادة تصوّرها جسراً إنسانياً وحضارياً متكافئاً بين ضفتي المتوسط، وعنواناً للانتقال من مجرد شعار العيش المشترك إلى مشروع البناء المشترك الذي ندعو إليه؛ لا شرفةً أوروبية يُنظر منها إلى إفريقيا باعتبارها فضاءً غريباً للزيارة، بمنظور استعماري لم نتجاوز آثاره بعد.



