محلية

د ليلى احكيم تكتب : المناصفة عند أحزابنا: النساء نصف المجتمع… والرجال كل المرشحين!

د: ليلى احكيم

تكفي نظرة إلى صورة السباق الانتخابي بالناظور لفهم النسخة الحزبية من المناصفة: رجال عن اليمين، ورجال عن اليسار، ورجال في الوسط… أما المرأة، فيبدو أنها هي التي التقطت الصورة!

بحثت الأحزاب طويلاً في الإقليم، فلم تعثر على طبيبة أو محامية أو أستاذة أو مهندسة أو مقاولة أو فاعلة جمعوية تستحق التزكية. وربما عثرت عليهن، لكنها اكتشفت أن ملفاتهن ينقصها شرط انتخابي حاسم: أن يكنّ رجالاً!

أحزابنا تؤمن بالمساواة إيماناً عميقاً، لكن من بعيد. ففي الثامن من مارس، تصبح المرأة «نصف المجتمع»، و«مدرسة إذا أعددتها»، و«شريكة في التنمية». فتُنظم الندوات، وتُوزع الورود، وتُلتقط الصور، وقد تُمنح النساء الصفوف الأمامية لبضع دقائق. لكن ما إن يبدأ توزيع التزكيات حتى يعود النصف الآخر من المجتمع إلى لجنة الاستقبال، ويحتفظ الرجال بالمجتمع كاملاً!

فالمرأة عند بعض الأحزاب مؤهلة لتعبئة الناخبات، وتنشيط الحملة، والتصفيق للمرشح، وتحضير الشاي في المقر؛ أما رئاسة اللائحة فمسؤولية ثقيلة لا يتحملها، سبحان الله، إلا الرجال أنفسهم الذين «جددوا النخب» مرات عديدة حتى أصبح بعضهم أقدم من المقر الحزبي نفسه.

ثم تخرج علينا هذه الأحزاب بوجه جاد لتحدثنا عن الديمقراطية والحداثة. حداثة بنكهة تقليدية جداً: المرأة في الملصق، والرجل في المقعد؛ المرأة شعار، والرجل قرار؛ المرأة نصف المجتمع، لكن عند احتساب التزكيات تصبح مجرد فاصلة بين مرشحين!

وفي نظري، فإن كل الأحزاب التي ترفع شعارات المساواة والمناصفة، ثم تُصاب بحساسية مفاجئة تجاه النساء عند توزيع الدوائر القابلة للفوز، قد خسرت معركة النهوض ببلادنا. فالدول الديمقراطية تقدمت عندما آمنت بأنه لا تنمية من دون المرأة، أما بعض أحزابنا فما تزال تجرب إقلاع الوطن بجناح واحد، ثم تستغرب كل مرة لماذا لا يطير!

لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها؛ فالناخب أيضاً يطالب بالتغيير، ثم يصوت للوجوه نفسها، وبعدها يعود متفاجئاً ليسأل: «أين النساء؟». يشكك في قدرة المرأة على تحمل المسؤولية، لكنه يمنح ثقته بسهولة لرجل لم يقدم في السياسة سوى صورة جديدة في كل انتخابات. ويسأل المرشحة: من سيهتم ببيتك وأطفالك؟ أما المرشح الرجل، فلا يسأله أحد حتى عمّن سيهتم بالإقليم بعد فوزه!

لقد فتح جلالة الملك محمد السادس الطريق أمام النساء عبر إصلاحات دستورية وتشريعية ومؤسساتية مهمة، وكرّس دستور 2011 المساواة وسعي الدولة إلى تحقيق المناصفة، كما شُجعت مشاركة النساء في الوظائف الانتخابية. لكن بعض الأحزاب ما تزال تغلق الباب بإحكام، ثم تنظم ندوة بعنوان: «أسباب ضعف المشاركة السياسية للمرأة»!

لقد أدى هذا المسار إلى ارتفاع عدد النساء في مجلس النواب من نائبتين سنة 1993 إلى 96 نائبة في الولاية الحالية؛ غير أن 90 منهن وصلن عبر الدوائر الجهوية، ولم تفز عبر الدوائر المحلية سوى ست نساء. وكأن المجتمع الحزبي يقول للمرأة: يمكنك الوصول إلى البرلمان، لكن من فضلك استعملي الباب الذي خصصه لك القانون، واتركي الباب الرئيسي للرجال!

ولا نطالب بتزكية المرأة لأنها امرأة، بل نطالب فقط بألا تُقصى لأنها امرأة، وألا يُطلب منها لإثبات كفاءتها ما لا يُطلب من الرجل. فالمعيار ينبغي أن يكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع، لا جنس المرشح ولا عمر علاقته بمكتب الأمين الإقليمي.

وعندما نرى سباقاً انتخابياً لا تظهر فيه امرأة واحدة، فلا ينبغي أن نسأل فقط: أين النساء؟ بل يجب أن نسأل: من أخفاهن من الصورة؟ ومن منح الرجال جميع التزكيات، ثم ترك للنساء الورود والتصفيق؟

أما أن تغلق الأحزاب الباب في وجه النساء، ثم تشكل لجنة للبحث عن أسباب غيابهن، فذلك يشبه من يضع الضيف خارج المنزل، ثم يعلن بحزن أن المائدة لم تعرف حضوراً كافياً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى