وطنية

انتخابات 2026.. هل تنجح الأحزاب في تنزيل رؤية جلالة الملك لتخليق الحياة السياسية؟

جواد العاديلي

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر المقبل، يعود إلى واجهة النقاش السياسي سؤال طالما حضر في الخطب الملكية: هل نجحت الأحزاب المغربية في الارتقاء بالممارسة السياسية إلى مستوى تطلعات الملك والمواطنين، أم أن بعض الممارسات القديمة ما تزال تجد طريقها إلى الاستحقاقات الانتخابية؟.

فمنذ سنوات، وضع جلالة الملك تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب وتحقيق التنافس على أساس البرامج والكفاءة ضمن صلب رؤيته للعملية الديمقراطية، وهو ما يجعل انتخابات 2026 مناسبة جديدة لقياس مدى قدرة الأحزاب على تحويل هذه التوجيهات إلى ممارسة فعلية.

في خطاب 20 غشت 2011، شدد جلالة الملك على أن الرهان يتمثل في جعل الانتخابات “معركة وطنية نوعية، حول اختيار أفضل البرامج والنخب المؤهلة”، داعيا إلى توفير شروط المنافسة الحرة والتصدي للخروقات واستعمال المال وشراء الأصوات واستغلال النفوذ.

وبعد خمسة عشر عاما، تبدو هذه الدعوة أكثر راهنية، خاصة مع بدء الأحزاب في ترتيب أوراقها واختيار مرشحيها، فجوهر تخليق الحياة السياسية يبدأ من لحظة اختيار المرشح، عندما تصبح الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية معايير للتزكية، بدل أن تتحول الانتخابات إلى سباق حول من يملك أكبر قدرة على تعبئة الأصوات أو النفوذ المحلي.

وفي خطاب 2014، كان التوجيه الملكي أكثر وضوحا حين أكد جلالة الملك أن الانتخابات “لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها”، وإنما وسيلة للتنافس حول البرامج والنخب القادرة على تدبير الشأن العام.

وهذه الفكرة تضع الأحزاب أمام اختبار حقيقي في انتخابات 2026، ماذا ستقدم للمغاربة؟ وهل ستدخل المنافسة ببرامج قابلة للتنفيذ، أم سيطغى على الحملة الانتخابية منطق الشعارات والحسابات الانتخابية؟ فالمغرب الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ومائية وتنموية متزايدة يحتاج إلى نخب سياسية تمتلك القدرة على تقديم حلول واقعية، وليس فقط القدرة على الفوز بالمقاعد.

وفي خطاب سنة 2015، ربط جلالة الملك بين جودة المؤسسات المنتخبة وجودة الاختيار الذي يقوم به المواطن، داعيا إلى انتخاب ممثلين نزهاء يكون شغلهم الشاغل خدمة الوطن والمواطنين، ومشيراً إلى أن ضعف أداء بعض المنتخبين من العوامل التي تساهم في عزوف المواطنين عن المشاركة.

ومن هنا فإن تخليق الحياة السياسية لا يتوقف عند يوم الاقتراع، بل يبدأ بعد ظهور النتائج، حين يتحول المرشح إلى مسؤول منتخب يصبح مطالبا بالحضور والإنصات والدفاع عن مصالح المواطنين.

ولذلك فإن انتخابات 2026 ستكون أيضا امتحانا لقدرة الأحزاب على تقديم وجوه قادرة على استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.

وفي السياق ذاته، أكد جلالة الملك في خطاب 2016 أن الانتخابات لا ينبغي أن تكون وسيلة للوصول إلى المناصب، وإنما لخدمة المواطن، كما شدد على أهمية الكفاءة والمصداقية والحرص على الصالح العام.

وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة اليوم في ظل النقاش حول التزكيات الحزبية، وتجديد الوجوه، وحضور الشباب والنساء، وطريقة بناء اللوائح الانتخابية. فالتخليق الحقيقي يقتضي أن تنتقل الأحزاب من منطق البحث عن “مرشح رابح” إلى البحث عن “منتخب كفء”، لأن نجاح الحزب في حصد المقاعد لا يعني بالضرورة نجاحه في إنتاج نخبة قادرة على ممارسة المسؤولية السياسية والمؤسساتية.

كما أن تخليق الحياة السياسية يظل مرتبطا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي شكل بدوره أحد المرتكزات المتكررة في التوجيهات الملكية، فالانتخابات تمنح المنتخب ثقة المواطنين، لكنها لا تمنحه شيكا على بياض، بل تجعل أداءه خلال الولاية جزءا من الحساب السياسي الذي يحدد مستقبله الانتخابي.

ومن هنا، فإن المطلوب من الأحزاب ليس فقط محاربة المال الانتخابي والخروقات خلال الحملات، وإنما بناء ثقافة سياسية تجعل المنتخب خاضعا للتقييم والمساءلة، وتجعل المواطن شريكا مستمرا في الحياة الديمقراطية وليس مجرد صوت يتم استحضاره كل خمس سنوات.

وفي المحصلة، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 تضع الأحزاب المغربية أمام سؤال يتجاوز النتائج والأرقام والمقاعد: هل تنجح في تنزيل رؤية جلالة الملك لتخليق الحياة السياسية؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات نزيهة، وإنما في إنتاج نخب سياسية أكثر كفاءة ومصداقية، وأحزاب أكثر قدرة على تقديم البرامج، ومؤسسات منتخبة تستعيد ثقة المواطن من خلال الأداء.

وبعد سنوات من التوجيهات الملكية التي رسمت بوضوح ملامح الممارسة السياسية المنشودة، ستكون انتخابات 2026 فرصة جديدة لمعرفة ما إذا كانت تلك الدعوات قد تحولت إلى ثقافة راسخة داخل الحياة الحزبية، أم أن الطريق نحو التخليق السياسي ما يزال يحتاج إلى مسافة أخرى من الإصلاح والممارسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى