
بقلم: آية الأجراوي
ليست هناك وصفة واحدة لصناعة الحضور، كما أن الإبداع لا يعيش بالضرورة داخل مساحة واحدة. هناك من يختار طريقاً واحداً ويتعمق فيه، وهناك من يجد نفسه في أكثر من فضاء، فيحوّل تنوع اهتماماته إلى هوية خاصة. ومن بين هذه التجارب تبرز ريما غزولة، التي اختارت أن تخوض مغامرة فنية وإعلامية متعددة الواجهات، واضعةً شغفها بالثقافة والفن في قلب مسارها.
في تجربتها، لا يبدو المسرح مجرد محطة من الماضي، بل نقطة تأسيس. فمنذ سن مبكرة، وجدت ريما نفسها قريبة من الخشبة، حيث تعلمت أن الفن ليس مجرد أداء، وإنما قدرة على الإصغاء، والتعبير، وفهم الإنسان.
نشأت علاقتها بالتشخيص المسرحي في بيئة عائلية تهتم بالفن والثقافة، قبل أن تتوسع مشاركاتها لتشمل عروضاً محلية ووطنية ودولية. كما حملت تجربتها إلى خارج المغرب، خاصة إلى تونس، وشاركت في عرض “نوستالجيا” الذي قُدم تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.
ومع تراكم التجربة، لم تكتفِ ريما بدور الممثلة، بل اختارت أن تنظر إلى المسرح من زاوية أخرى، فخاضت تجربة الإخراج وأشرفت على ثلاثة عروض لفائدة الأطفال ذوي التنوع الوظيفي بمشاركة زملائهم.
هذه التجربة بالذات تكشف جانباً مهماً من رؤيتها؛ فحين يتحول الفن إلى وسيلة لإشراك الآخرين ومنحهم فرصة للتعبير، فإنه يتجاوز حدود العرض ليصبح فعلاً إنسانياً.
ولأن الشغف وحده لا يكفي لصناعة تجربة راسخة، عملت ريما على تطوير أدواتها من خلال تكوينات متخصصة في التشخيص والتأليف والإخراج والسينوغرافيا، كما خاضت تجربة التأطير والتكوين المسرحي بعدد من المؤسسات والمعاهد.
ومن الخشبة، اتجهت نحو الموسيقى.
في المعهد الموسيقي، درست الصولفيج والعزف على الكمان الكلاسيكي والبيانو، إضافة إلى الموسيقى الأندلسية. وهو تنوع يعكس رغبة واضحة في الاقتراب من الفن من زوايا مختلفة، لا باعتباره شكلاً واحداً، وإنما فضاءً واسعاً تتقاطع داخله الأصوات والإيقاعات والثقافات.
وقد قادها هذا المسار إلى المشاركة في عدد من المهرجانات والتظاهرات الموسيقية داخل المغرب وخارجه، لتضيف إلى تجربتها الفنية بعداً جديداً.
ثم جاءت السينما لتمنحها فرصة أخرى للعبور إلى عوالم مختلفة.
شاركت ريما في مجموعة من الأعمال السينمائية ذات المضامين التربوية والاجتماعية، وتقاطعت تجربتها مع قضايا من بينها الهجرة ومواضيع مجتمعية متنوعة. كما شاركت في عمل لمخرج فرنسي عُرض ضمن فعاليات مهرجان السينما بمدينة مراكش.
لكن أكثر ما يلفت في تجربتها هو ذلك الانتقال الطبيعي نحو الإعلام.
فالإعلام بالنسبة إليها لم يكن قطيعة مع الفن، بل امتداداً له. فالمسرح علمها الوقوف أمام الجمهور، والموسيقى دربتها على الإحساس، والسينما قربتها من الصورة، بينما منحها الإعلام القدرة على تحويل كل ذلك إلى أدوات للتواصل.
وقدمت البرنامج الإعلامي “ضيف برو”، وشاركت في عدد من المشاريع والبرامج الإعلامية، كما راكمت تجربة مهمة في التنشيط الثقافي والفني، من خلال تقديم مهرجانات وتظاهرات كبرى، من أبرزها مهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب.
وفي مثل هذه الفضاءات، لا يكفي أن يمتلك المقدم صوتاً جيداً أو حضوراً لافتاً؛ فالمطلوب هو القدرة على قراءة الجمهور، واستيعاب إيقاع الحدث، والتفاعل مع التفاصيل، والحفاظ على الحضور حتى في أكثر اللحظات ازدحاماً.
وهذا ما يجعل تجربتها الإعلامية امتداداً منطقياً لما سبقها من تجارب.
وفي ظل التحولات التي يعرفها الإعلام اليوم، لم تغب ريما عن الفضاء الرقمي، بل واصلت تطوير حضورها من خلال المحتوى والتواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع اهتمام بالثقافة المغربية والتراث والقيم الفنية الأصيلة.
فبالنسبة إليها، يبدو الإعلام أكثر من مجرد نقل للمعلومة؛ إنه فرصة لإعادة تقديم الثقافة بلغة قريبة من الجمهور، وإبراز ما تزخر به الهوية المغربية من تنوع وثراء.
وربما يكون أبرز ما يمكن أن يقال عن تجربة ريما غزولة أنها لا تبحث عن الاختصار.
اختارت الطريق الأصعب: أن تتعلم أكثر من لغة فنية، وأن تخوض أكثر من تجربة، وأن تبني حضورها عبر سنوات من الممارسة والتكوين.
هي ممثلة، ومخرجة، وموسيقية، ووجه إعلامي ومنشطة ثقافية، لكن خلف كل هذه الصفات شخصية واحدة تجمعها فكرة أساسية: أن الفن حين يرتبط بالمعرفة يصبح أكثر قدرة على الاستمرار، وحين يرتبط بالإنسان يصبح أكثر قدرة على التأثير.
ولذلك فإن تجربة ريما لا تبدو مجرد سيرة مهنية لشابة متعددة المواهب، بل رحلة بحث مستمرة عن المعنى داخل الفن.
رحلة بدأت من الخشبة، واتسعت بالموسيقى والسينما، واكتملت ملامحها عبر الإعلام والثقافة، لكنها لم تصل بعد إلى فصلها الأخير.
ففي عالم الإبداع، أجمل القصص هي تلك التي لا تنتهي عند إنجاز، وإنما تظل مفتوحة على حلم جديد.
وربما تكون هذه هي الحكاية الحقيقية لريما غزولة: شابة لم تختر أن تكون نسخة من مسار واحد، بل اختارت أن تصنع من اختلاف تجاربها بصمتها الخاصة.



