الرئيسية

قراءة في بحث الباحث شكري الدمغي حول تحديات الرقابة القضائية على الانتخابات

الانتخابات في زمن الذكاء الاصطناعي.. من يراقب من؟

بقلم: طارق الشامي

لم يعد السؤال حول تأثير التكنولوجيا في الانتخابات سؤالاً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على القانون والقضاء والمؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجال إنتاج الصور والفيديوهات والأصوات والمحتويات الرقمية، تبرز إشكالات جديدة تتجاوز ما اعتادت عليه المنازعات الانتخابية التقليدية.

ومن هذه الزاوية، يكتسب بحث الباحث شكري الدمغي، الموسوم بـ «تحديات الرقابة القضائية على الانتخابات في زمن الذكاء الاصطناعي»، أهمية خاصة، باعتباره يفتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا القانونية ارتباطاً بمستقبل العملية الديمقراطية. وقد نوقشت الدراسة برحاب الكلية متعددة التخصصات بالناظور، ضمن تخصص «المنازعات القانونية والقضائية والذكاء الاصطناعي»، أمام لجنة ضمت الدكتور محمد أبركان مشرفاً ورئيساً، والدكتور عكاشة بن المصطفى عضواً، والدكتور المصطفى قريشي عضواً.

عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من المعركة الانتخابية

لقد تغيرت طبيعة الحملة الانتخابية. فإلى جانب اللقاءات المباشرة والخطابات والملصقات، أصبح المرشحون والناخبون يتحركون داخل فضاء رقمي سريع الانتشار، تتحكم فيه المنصات الاجتماعية والخوارزميات.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتويات يصعب أحياناً على المستخدم العادي معرفة حقيقتها.

صورة يمكن تركيبها، صوت يمكن محاكاته، فيديو يمكن إنتاجه، وخطاب يمكن توليده في دقائق. وإذا دخلت هذه الأدوات إلى المجال الانتخابي بنية التضليل أو التشويه، فإن السؤال لا يعود تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً قانونياً وقضائياً بامتياز.

من نشر المحتوى إلى إثبات المسؤولية

هنا تبدأ صعوبة الرقابة القضائية.

فإذا ظهر فيديو مفبرك يستهدف مرشحاً، فمن المسؤول عنه؟ ومن أنشأه؟ ومن نشره أول مرة؟ ومن قام بتمويل حملته الرقمية؟ وهل يمكن إثبات ارتباطه بجهة سياسية أو انتخابية؟

المشكلة أن سرعة تداول المحتوى الرقمي قد تجعل تحديد المسؤولية أكثر تعقيداً من المخالفات الانتخابية التقليدية.

وهذا يضع القضاء أمام تحد جديد: ليس فقط التحقق من وقوع المخالفة، وإنما إثبات مصدرها وعلاقتها بالعملية الانتخابية ومدى تأثيرها المحتمل.

هل يمكن للقضاء أن يلاحق سرعة الخوارزميات؟

القضاء يقوم على التثبت، وعلى احترام المساطر والحقوق والضمانات. أما العالم الرقمي فيتحرك بسرعة مختلفة تماماً.

قد يحتاج القضاء إلى وقت لفحص واقعة انتخابية، بينما يحتاج منشور أو فيديو إلى دقائق حتى ينتشر على نطاق واسع.

ومن هنا تبرز إحدى المفارقات التي يجعلها موضوع شكري الدمغي جديرة بالتأمل: كيف يمكن تحقيق رقابة قضائية فعالة في فضاء رقمي يتحرك بسرعة أكبر من المساطر القانونية؟

فحذف المحتوى بعد انتشاره قد لا يمحو آثاره، وتصحيح معلومة كاذبة قد لا يصل بالضرورة إلى جميع من شاهدوا المعلومة الأصلية.

الدليل الرقمي أمام القضاء

ربما يكون مفهوم الدليل نفسه أمام مرحلة جديدة.

في المنازعات الانتخابية التقليدية، كان القاضي يتعامل مع وثائق ومحاضر وشهادات ووقائع مادية. أما اليوم، فقد يجد نفسه أمام حسابات إلكترونية، ورسائل، وفيديوهات، وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، وبيانات رقمية.

لكن الصورة أو الفيديو لا يعنيان بالضرورة الحقيقة، كما أن وجود محتوى على حساب إلكتروني لا يكفي وحده دائماً لإثبات هوية صاحبه أو الجهة التي تقف وراءه.

لذلك، فإن مستقبل الرقابة القضائية على الانتخابات قد يرتبط بشكل وثيق بتطور الخبرة الرقمية ووسائل التحقق الإلكتروني.

الذكاء الاصطناعي وسؤال حرية الناخب

القضية الأعمق، في تقديري، لا تتعلق فقط بتزوير صورة أو فيديو.

إنها تتعلق بالسؤال التالي:

إلى أي حد يمكن للتكنولوجيا أن تؤثر في تكوين الإرادة الحرة للناخب؟

فالانتخابات في جوهرها ليست مجرد عملية وضع ورقة في صندوق الاقتراع، وإنما هي تعبير عن إرادة سياسية تتشكل قبل يوم التصويت.

وإذا تمكنت تقنيات الذكاء الاصطناعي من إغراق الناخب بمعلومات مضللة، أو توجيه رسائل مختلفة إلى فئات مختلفة من الناخبين، فإن النقاش ينتقل من مراقبة صندوق الاقتراع إلى مراقبة البيئة التي تتشكل داخلها إرادة الناخب.

وهنا تكمن ربما إحدى أهم الزوايا التي يفتحها موضوع البحث الذي اختاره شكري الدمغي.

القضاء أمام تحدي التوازن

لكن مواجهة هذه المخاطر لا ينبغي أن تتحول إلى تقييد غير مبرر لحرية التعبير.

فالتمييز بين النقد السياسي المشروع، والخطاب الانتخابي، والمعلومة الخاطئة، والمحتوى المتعمد للتضليل، والمحتوى الاصطناعي، يظل أمراً ضرورياً.

وهنا تظهر أهمية القضاء باعتباره طرفاً في معادلة دقيقة: حماية نزاهة الانتخابات من جهة، وحماية الحقوق والحريات من جهة أخرى.

هل نحتاج إلى قضاء انتخابي أكثر تخصصاً؟

موضوع شكري الدمغي يفتح، بشكل غير مباشر، نقاشاً أكبر حول مستقبل العدالة الانتخابية.

فالقاضي في زمن الذكاء الاصطناعي قد يحتاج إلى التعامل مع وقائع لا يمكن فهمها دائماً بالأدوات القانونية التقليدية وحدها.

وهذا لا يعني أن يتحول القاضي إلى خبير تقني، وإنما يعني أن المنظومة القضائية قد تحتاج إلى تعزيز أدواتها بالخبرة المتخصصة في الأدلة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.

فالرقابة القضائية القوية في المستقبل لن تقاس فقط بقدرتها على إصدار الأحكام، وإنما أيضاً بقدرتها على فهم طبيعة الأدلة الجديدة التي ستصل إلى قاعات المحاكم.

من سؤال الانتخابات إلى سؤال الديمقراطية

في نهاية المطاف، فإن النقاش الذي يفتحه بحث «تحديات الرقابة القضائية على الانتخابات في زمن الذكاء الاصطناعي» لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها.

إنه نقاش حول مستقبل الديمقراطية نفسها.

فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على صناعة صورة غير حقيقية، وصوت غير حقيقي، وفيديو غير حقيقي، ومعلومة تبدو مقنعة، فإن التحدي الأكبر سيكون هو الحفاظ على قدرة المواطن على التمييز بين الحقيقة والتزييف.

وهنا يصبح دور القانون والقضاء أكثر تعقيداً: ليس فقط مراقبة ما يحدث داخل مكاتب التصويت، وإنما مواكبة البيئة الرقمية التي تسبق التصويت وتؤثر في النقاش العام وتساهم في تشكيل اختيارات المواطنين.

ولعل القيمة الأهم في اختيار الباحث شكري الدمغي لهذا الموضوع تتمثل في أنه يضع هذا السؤال أمام الجامعة والباحثين والمشرّع والقضاء والمجتمع: هل منظومتنا القانونية والقضائية جاهزة فعلاً لانتخابات يدخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيلها؟

إنها ليست قضية تخص انتخابات اليوم فقط، بل سؤال يتعلق بانتخابات الغد، وبقدرة القانون على مواكبة التكنولوجيا دون أن يفقد جوهر العملية الديمقراطية: حرية الإرادة، ونزاهة المنافسة، وشفافية الاقتراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى