الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية.. حين تتحول منصات التواصل إلى ساحة لصناعة الفوضى

ناظور24 طارق الشامي
لم تعد موجات الهجرة الجماعية ومحاولات العبور نحو سبتة ومليلية مجرد تحركات فردية تحركها الرغبة في الوصول إلى الضفة الأخرى، بل أصبحت، في بعض الحالات، ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية مع شبكات الاتجار بالبشر، والتضليل الرقمي، وحسابات جيوسياسية أوسع.
وفي خضم الأحداث الأخيرة، برزت فرضية لافتة مفادها أن جزءاً من الحشد البشري لم يكن وليد قرار فردي معزول، وإنما ساهمت في تسريعه وتوجيهه دينامية رقمية تقوم على نشر معلومات مضللة وإشاعات توحي بأن الحدود أصبحت مفتوحة أو أن إجراءات الإعادة تغيرت.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة بالنظر إلى سرعة انتشار المحتوى الرقمي وقدرته على تحويل إشاعة محدودة الانتشار إلى دعوة جماعية خلال ساعات قليلة.
من الإشاعة إلى الحشد
الخطير في هذا النوع من التضليل لا يكمن فقط في كون المعلومات المتداولة غير صحيحة، وإنما في قدرتها على صناعة إحساس جماعي بوجود “فرصة استثنائية” ينبغي استغلالها قبل فوات الأوان.
فعبارات من قبيل تغير الإجراءات الإسبانية، أو التساهل في استقبال الوافدين، أو إمكانية العبور دون التعرض للإعادة، يمكن أن تتحول عبر إعادة النشر المتكرر إلى ما يشبه “حقيقة رقمية”، حتى وإن كانت تفتقر إلى أساس قانوني أو رسمي.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن أزمة سبتة الأخيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مهماً في تسريع التعبئة، فيما ربطت تقارير أخرى ذلك أيضاً بسوء فهم يتعلق بقرار قضائي إسباني بشأن آليات الإعادة على الحدود.
شبكات الاتجار بالبشر.. المستفيد من الفوضى
في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الإجرامي المتمثل في شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
فهذه الشبكات لا تحتاج دائماً إلى تنظيم كل خطوة على الأرض؛ يكفيها أحياناً استغلال موجة رقمية جاهزة، وتقديم وعود أو معلومات مضللة لمن يرغبون في العبور، قبل تحويل حالة الفوضى إلى مصدر للربح.
وتؤكد معطيات الشرطة الإسبانية أن شبكات إجرامية تنشط في مجال تسهيل الهجرة غير النظامية موجودة بالفعل في محيط مليلية، إذ أعلنت السلطات الإسبانية في نوفمبر 2025 تفكيك منظمة متخصصة في الاتجار بالأشخاص وتزوير الوثائق، مع توقيف 11 شخصاً.
الفرضية الأكثر حساسية: حسابات وهمية و”ذباب إلكتروني”
لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل في القضية يتعلق بالحديث عن حسابات وهمية وشبكات رقمية منظمة قد تكون موجودة خارج المغرب، تعمل على تضخيم الشائعات ودفع المستخدمين نحو الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت متاحة.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين أمرين: الأول هو وجود تضليل رقمي وحسابات مجهولة قادرة على صناعة موجات من المحتوى؛ والثاني هو إثبات ارتباط هذه الحسابات بشكل مباشر بجهة خارجية محددة. فالأول يمكن رصده وتحليله، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة تقنية واستخباراتية وقضائية واضحة.
وتتحدث تحليلات إعلامية حديثة عن فرضيات تتعلق باستغلال شبكات إلكترونية للأزمة، بل ذهبت بعض الأصوات إلى طرح احتمال وجود تدخلات خارجية. غير أن هذه الفرضيات لا تزال محل نقاش، ولا يجوز تحويلها إلى حقائق ثابتة من دون أدلة علنية موثوقة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة ما يمكن وصفه بـ”الحرب المعلوماتية”: فليس مطلوباً بالضرورة أن تقوم جهة ما بتحريك آلاف الأشخاص بشكل مباشر؛ يكفي أن تنجح في إنتاج رواية مضللة، وتضخيمها، وتكرارها عبر حسابات متعددة، ثم تركها تنتشر ذاتياً داخل المجتمع.
إنها آلية أكثر تعقيداً من الدعاية التقليدية، لأن المستخدم العادي قد يتحول، من دون قصد، إلى ناقل للمعلومة نفسها، فيصبح الحد الفاصل بين صاحب الشائعة والمتلقي لها شبه غائب.
هل نحن أمام “هندسة رقمية” للهجرة؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة، لكنه يحتاج إلى مقاربة حذرة.
فالهجرة غير النظامية لها أسباب حقيقية وعميقة، من بينها البطالة، وتفاوت الفرص، والرغبة في تحسين ظروف العيش، وهي عوامل لا يمكن اختزالها في المؤامرة أو التضليل الرقمي.
لكن وجود دوافع اجتماعية حقيقية لا يمنع في الوقت نفسه من استغلالها من طرف شبكات إجرامية أو جهات تسعى إلى تحقيق أهداف أخرى.
وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة: وجود رغبة حقيقية في الهجرة، تقابلها ماكينة رقمية تعمل على توجيه هذه الرغبة وتضخيمها في لحظة محددة، ثم تستفيد منها شبكات إجرامية أو أطراف تسعى إلى خلق ضغط أمني وسياسي.
من الحدود الجغرافية إلى الحدود الرقمية
تكشف أحداث سبتة ومليلية أن الحدود لم تعد تبدأ عند السياج أو المعبر الحدودي.
فالحدود الجديدة تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الهاتف المحمول، حيث يمكن لصورة أو مقطع فيديو أو رسالة مجهولة المصدر أن تؤثر في قرار آلاف الأشخاص.
ولهذا فإن مواجهة موجات الهجرة الجماعية لا يمكن أن تقتصر على تشديد المراقبة الميدانية، وإنما تحتاج أيضاً إلى يقظة رقمية، وسرعة في تفنيد الأخبار الكاذبة، وتعزيز التعاون الدولي في تتبع شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن كشف مصادر الحملات المنسقة عندما تثبت الأدلة وجودها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه هذه الأحداث ليس فقط حجم الضغط على الحدود، وإنما قدرة المعلومة المضللة عندما تتحول إلى أداة تعبئة جماعية.
أما الحديث عن وجود “جهات خارجية” أو “مزارع ذباب إلكتروني” تقف وراء الأحداث، فيبقى ملفاً يحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق، لأن الاتهامات غير الموثقة قد تتحول بدورها إلى جزء من حرب المعلومات التي يفترض أن يجري تفكيكها.



