الرئيسية

طارق الشامي يكتب: الخطاب الملكي يعيد رسم قواعد الشراكة مع أوروبا.. السيادة المغربية فوق منطق الضغط والابتزاز

ناظور24 | طارق الشامي

لم يكن الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية مجرد عرض لمواقف المغرب من علاقاته الخارجية، بل حمل رسائل سياسية واستراتيجية تعكس تحولا في طريقة تدبير المملكة لشراكاتها الدولية، وتؤكد أن التعاون مع الحلفاء لا يمكن أن يكون على حساب السيادة الوطنية أو المصالح الاستراتيجية للمغرب.

فحين يؤكد الملك محمد السادس أن المغرب رسخ مكانته الدولية كشريك مسؤول وموثوق، ويشدد في المقابل على أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست مجالا للضغط أو التهديد أو الابتزاز، فإن الرسالة تتجاوز لغة الدبلوماسية المعتادة، لتضع أسس معادلة جديدة قوامها الاحترام المتبادل، وتكافؤ المصالح، والتوازن في تحمل المسؤوليات.

## من شريك في تدبير الأزمات إلى فاعل في صناعة الحلول

على مدى سنوات، شكل المغرب شريكا أساسيا لدول أوروبية في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، مستفيدا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومن خبرته في تدبير التحديات الإقليمية. غير أن أهمية هذا الدور تطرح سؤالا جوهريا: هل ينبغي أن تظل مكانة المغرب مرتبطة أساسا بقدرته على احتواء الأزمات التي تواجه الضفة الأوروبية؟

يبدو أن الرسالة الملكية تدفع نحو تجاوز هذا التصور المحدود، والانتقال إلى نموذج أوسع للشراكة، لا ينظر إلى المغرب فقط باعتباره خط دفاع في مواجهة الهجرة غير النظامية، بل باعتباره دولة تمتلك إمكانات اقتصادية وصناعية واستثمارية، وشريكا قادرا على المساهمة في إنتاج الحلول وصناعة الفرص المشتركة.

فالمغرب الذي يضطلع بأدوار مهمة في استقرار المنطقة المتوسطية وتعزيز التعاون الإفريقي، يطمح إلى أن تنعكس أهمية موقعه الاستراتيجي على طبيعة علاقاته الدولية، من خلال شراكات تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والتكوين والابتكار، إلى جانب التعاون الأمني.

## الهجرة.. اختبار حقيقي لمصداقية الشراكة

يشكل ملف الهجرة أحد أبرز الاختبارات التي تواجه العلاقات المغربية الأوروبية، بالنظر إلى تداخل أبعاده الأمنية والإنسانية والقانونية والسياسية. فالمغرب، بحكم موقعه بين إفريقيا وأوروبا، يواجه تحديات متعددة ترتبط بمراقبة الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتدبير أوضاع المهاجرين، واحترام الالتزامات القانونية والإنسانية.

وفي المقابل، تعتمد الدول الأوروبية على التعاون مع الرباط في تدبير جانب من تحديات الهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على مصالح متبادلة، وإن كانت الأعباء والانتظارات لا تتطابق دائما.

ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون القائم في هذا المجال، بما يضمن توزيع المسؤوليات بصورة أكثر وضوحا وواقعية، ويحول دون تكرار الأزمات التي تكشف محدودية الآليات المعتمدة.

إن تطوير التعاون في ملف الهجرة لا يتحقق بمجرد تكثيف التنسيق الأمني، بل يتطلب أيضا آليات قانونية ومؤسساتية فعالة، وقنوات دائمة للحوار، وتنسيقا يراعي خصوصيات كل دولة واختصاصات مؤسساتها، بما فيها القضاء، حتى لا تتحول الاختلافات في المقاربات إلى مصدر دائم للتوتر السياسي.

## إسبانيا وفرنسا.. شراكات تتجاوز الجغرافيا

تكتسي الرسائل الملكية أهمية خاصة بالنسبة إلى إسبانيا وفرنسا، بالنظر إلى ثقل العلاقات التي تجمع المغرب بهذين البلدين، وتعدد المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية المرتبطة بها.

فالعلاقة المغربية الإسبانية، على وجه الخصوص، ليست مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، بل هي شبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارات والتبادل الإنساني والتعاون الأمني، فضلا عن الارتباط المباشر باستقرار الفضاء المتوسطي.

أما فرنسا، فتربطها بالمغرب علاقات اقتصادية وثقافية واستثمارية متعددة المستويات، تجعل من استقرار الشراكة وتطويرها مصلحة مشتركة للطرفين.

غير أن قوة هذه العلاقات لا تعني غياب الخلافات، بل تفرض تدبيرها بمنطق المسؤولية والوضوح واحترام المصالح المتبادلة. فالشراكة المستدامة لا تقوم على انتظار طرف واحد لتنفيذ التزاماته، وإنما على استعداد جميع الأطراف لتحمل مسؤولياتها والوفاء بتعهداتها.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الخلافات السياسية المشروعة والإشكالات القانونية والمؤسساتية التي قد تعترض تنفيذ بعض الاتفاقات، إذ إن معالجة هذه الملفات تتطلب حوارا عمليا يحترم سيادة الدول واستقلال مؤسساتها، ويبحث في الوقت نفسه عن حلول قابلة للتطبيق.

## السيادة ليست موقفا ظرفيا.. بل قاعدة للتعاون

من أبرز دلالات الخطاب الملكي التأكيد على أن التعاون الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتأثير في القرار الوطني أو فرض اختيارات على المغرب خارج منطق التفاوض المتكافئ.

فالسيادة، في هذا السياق، لا تعني الانغلاق أو التخلي عن التعاون مع الشركاء، وإنما تعني امتلاك حرية القرار وتحديد الأولويات الوطنية، مع الاستعداد للانخراط في اتفاقات تحقق المصالح المشتركة.

كما أن رفض الضغط والابتزاز لا يتعارض مع استمرار الحوار، بل يضع له إطارا واضحا، قوامه أن الخلافات تعالج عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسساتية، وأن الالتزامات المتبادلة لا يمكن أن تتحول إلى امتياز لطرف على حساب الطرف الآخر.

وهذه المقاربة تعكس إدراكا لطبيعة التحولات التي يعرفها النظام الدولي، حيث لم تعد العلاقات بين الدول تقوم فقط على حجم المبادلات التجارية أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل أصبحت ترتبط أيضا بمدى قدرة كل دولة على حماية مصالحها وتعزيز استقلالية قرارها وتوظيف إمكاناتها في التفاوض.

## نحو شراكة استراتيجية أكثر توازنا

إن الإشارة إلى إعداد رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، تفتح المجال أمام مرحلة جديدة في العلاقات الخارجية للمغرب، عنوانها تجاوز التدبير الظرفي للأزمات نحو بناء شراكات أكثر تكاملا.

فبدلا من حصر التعاون في مراقبة الحدود أو تبادل المعلومات الأمنية، يمكن توسيعه ليشمل الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، والتكوين المهني، والطاقات المتجددة، والصناعة، ودعم المبادرات الاقتصادية، وتعزيز الربط بين أوروبا وإفريقيا.

ومن شأن هذا التوجه أن يربط الأمن بالتنمية، ويجعل الاستقرار نتيجة لتكامل المصالح الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد حصيلة لإجراءات أمنية ظرفية.

كما يتيح للمغرب توظيف موقعه كبوابة نحو القارة الإفريقية لتعزيز جاذبيته الاستثمارية وتطوير علاقاته مع شركائه الأوروبيين على أسس أكثر شمولا، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات المستقبلية.

## الناظور والشرق في قلب التحولات المتوسطية

وبالنسبة إلى إقليم الناظور وجهة الشرق، فإن التحولات التي يشير إليها الخطاب الملكي تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة وارتباطها بالفضاء المتوسطي، وما تتيحه المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية من إمكانات لتعزيز التنمية والانفتاح.

ويبرز مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط باعتباره أحد الأوراش الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز مكانة المنطقة في المبادلات التجارية واللوجستية، وتفتح آفاقا للاستثمار وخلق فرص الشغل، شريطة مواكبة المشروع بسياسات تنموية قادرة على تحويل البنيات التحتية إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة لفائدة الساكنة.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء شراكات دولية متوازنة لا ينبغي أن يظل موضوعا محصورا في دوائر الدبلوماسية المركزية، بل يتعين أن تنعكس نتائجه على الأقاليم والجهات، عبر الاستثمار المنتج، وتأهيل الكفاءات، وتحسين جاذبية المجالات الترابية، وربط الاقتصاد المحلي بالأسواق الإقليمية والدولية.

فنجاح أي توجه استراتيجي لا يقاس فقط بمدى قوة المواقف المعلنة، بل أيضا بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

## الخلاصة: المغرب يريد شراكات تحترم مكانته

إن القراءة الاستراتيجية للخطاب الملكي تكشف أن المغرب لا يتجه نحو القطيعة مع شركائه، ولا يضع التعاون الدولي موضع رفض، بل يسعى إلى إعادة تأطيره وفق قواعد أكثر وضوحا وتوازنا، تحمي السيادة الوطنية وتضمن تقاسم المسؤوليات والمنافع.

فالرسالة الأساسية هي أن المغرب يريد أن يكون شريكا في تحديد الأولويات وصناعة الحلول، لا مجرد طرف يستدعى عند وقوع الأزمات، وأن تكون علاقاته الدولية مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدا عن منطق الضغط أو فرض الأمر الواقع.

وفي عالم تتغير فيه موازين القوة وتتزايد فيه المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية، تبدو الشراكات الأكثر استدامة هي تلك التي تعترف بخصوصية كل طرف، وتحترم قراره السيادي، وتمنحه موقعا متوازنا في صياغة مستقبل التعاون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى