د ليلى احكيم تكتب: بقدرة قادر، وقبل أن تبرد كراسي الحكومة، اكتشف حزب التجمع الوطني للأحرار أن الحد الأدنى للأجر ينبغي أن يرتفع إلى 5000 درهم!

د ليلى احكيم
اكتشاف اقتصادي مذهل لم يحتج إلى دراسة ولا إلى خبير دولي؛ احتاج فقط إلى اقتراب الانتخابات. فبعد سنوات من قيادة الحكومة، ومن الغلاء وتآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، نزل الوحي الاجتماعي فجأة على الحزب الحاكم، فتذكّر أن الأجير المغربي يحتاج إلى أجر يكفيه للعيش.
طوال الولاية الحكومية، كان المواطن يقول: «الأجر لا يكفيني»، فيجيبه المسؤولون بأن المؤشرات مطمئنة. يقول: «الأسعار أحرقت جيبي»، فيحدثونه عن صمود الاقتصاد. وحين اقترب موعد التصويت، اكتشفت الحكومة أن للمواطن جيباً، وللجيب قدرة شرائية، وللقدرة الشرائية علاقة عجيبة بالأجر!
شكراً سيدي أخنوش، لكن بقي سؤال صغير: أين كانت مختبئة هذه الـ5000 درهم طوال السنوات الماضية؟ هل كانت تحت مكتب وزير التشغيل؟ أم ضاعت بين اجتماعين للحوار الاجتماعي؟ أم إنها لا تظهر إلا في موسم الانتخابات، مثل بعض الطيور المهاجرة التي تعرف طريقها إلى صناديق الاقتراع ولا تعرف طريقها إلى جيوب المواطنين؟
المفارقة أن الأحرار يتحدثون وكأنهم حزب معارض وصل حديثاً إلى البلاد، لا حزباً يقود الحكومة. يعدون المغاربة بإصلاح نتائج مرحلة كانوا هم من دبّرها، ويطلبون ولاية جديدة لتنفيذ قرار يملكون سلطة اتخاذه اليوم.
وهكذا أصبح لدينا أخنوشان: أخنوش رئيس الحكومة الذي كانت أمامه سنوات لاتخاذ القرار، وأخنوش رئيس الحزب الذي وصل متأخراً ليعدنا بإصلاح ما لم ينجزه أخنوش رئيس الحكومة!
غير أن فوزي لقجع، بحكم مسؤوليته عن الميزانية ومعرفته بلغة الأرقام، أفسد ترتيب المسرحية. فقد أعلن من الداخلة موافقته على رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، ودعا إلى تمرير القرار في المجلس الحكومي يوم الخميس، ما دام وزير التشغيل حاضراً والخاتم موجوداً.
بعبارة أوضح: لا تنتظروا نتائج الانتخابات، ولا تطلبوا من المغاربة عربوناً انتخابياً؛ نفّذوا الوعد الآن.
وهنا بدأت الـ5000 درهم تبحث عن أقرب مخرج للطوارئ!
لم تكن المسكينة تعلم أنها ستُطالب بالتنفيذ. لقد قيل لها إن دورها يقتصر على الصعود إلى المنصة، والتلويح للجمهور، وجمع التصفيق والأصوات، ثم الاختفاء بعد الانتخابات في الأرشيف نفسه الذي يرقد فيه وعد المليون منصب شغل.
فإذا بلقجع يريد إدخالها إلى المجلس الحكومي وإجبارها على الإقامة في الجريدة الرسمية!
وهذا، في الحقيقة، خرق خطير للتقاليد الانتخابية؛ فالوعود عندنا خُلقت لتُقال لا لتُنجز، ولتزيّن البرامج لا لتغيّر حياة الناس. أما مطالبة الحزب الحاكم بتنفيذ وعده وهو لا يزال في الحكم، فتلك مفاجأة لم تكن مدرجة في جدول الحملة!
لقجع تصرف كضيف دخل إلى عرس انتخابي صاخب، ثم ارتكب خطأً فادحاً حين سأل: «فين هي العروسة؟» بينما كان الجميع متفقاً على الاكتفاء بالموسيقى والتصفيق!
سياسياً، وضع هذا التحدي الأحرار أمام حقيقة لا يمكن إخفاؤها بالشعارات: من يملك رئاسة الحكومة والأغلبية لا يحق له أن يبيع للمواطنين بصيغة المستقبل ما يستطيع إقراره في الحاضر. فإذا كان رفع الحد الأدنى للأجر ممكناً، فليُتخذ القرار فوراً. وإذا كان غير ممكن، فليتوقف الحزب عن عرضه في المزاد الانتخابي.
لا يمكن لأخنوش أن يرتدي قبعة رئيس الحكومة عندما يتحدث عن الإنجازات، ثم يخلعها ويرتدي قبعة المرشح عندما يُسأل عن الإخفاقات. ولا يمكن للحزب أن يتبنى الحصيلة عند توزيع المديح، ثم يتنكر لها عند توزيع الوعود.
الخميس، إذن، ليس مجرد موعد للمجلس الحكومي؛ بل امتحان لصدقية خطاب انتخابي كامل. فإن اتُّخذ القرار، سيستفيد المغاربة من حق كان يمكن إقراره قبل موسم حصاد الأصوات. وإن لم يُتخذ، فسيتأكد أن مبلغ 5000 درهم لم يكن أجراً في طريقه إلى جيوب المواطنين، بل طُعماً في طريقه إلى صناديق الاقتراع.
وعندها سيحتاج أخنوش إلى نجّار ماهر، لأن أنفه السياسي سيصبح أطول من أنف بينوكيو؛ مع فارق بسيط: بينوكيو كان يكذب لأنه دمية، أما من يستبلد المغاربة فيفعل ذلك وهو رئيس حكومة يملك القرار والأغلبية والخاتم!
وبين بينوكيو الذي يطول أنفه كلما كذب، والمثل المغربي القائل: «تبع الكذّاب حتى لباب الدار»، سنتبع وعد الـ5000 درهم حتى باب المجلس الحكومي يوم الخميس. فإن دخل إلى الجريدة الرسمية، صفقنا للقرار، وإن فرّ من الباب الخلفي، عرفنا أن الأحرار أطلقوه من منصة الحملة فقط لاصطياد الأصوات.
أما إذا ظهر بعد ذلك بينوكيو جديد، يحمل رقماً جديداً ويطلب منا تصديقه، فسيجد أمامه شعباً خبر الوعود الانتخابية، ولم يعد مستعداً لشراء الكلام المعلّب أو تصديق الأرقام الموسمية.
فالمغاربة ليسوا بلا ذاكرة؛ والبُلداء الحقيقيون في الحساب السياسي هم من يعتقدون أن الشعب سينسى في أسبوع انتخابي ما عجزت الحكومة عن إنجازه طوال سنوات.
فالخميس قريب، والخاتم حاضر، والـ5000 درهم أمام الباب: إما أن تدخل إلى الجريدة الرسمية، وإما أن يعود بينوكيو إلى المهرجان بأنف أطول من برنامجه الانتخابي.
وما أبلدَ من يستبلد الآخرين



