د ليلى احكيم تكتب : إقليم الناظور بين رهان ميناء غرب المتوسط ومارتشيكا… تنمية مؤجلة أم فرصة أخيرة؟

ناظور24: د ليلى احكيم
يقف إقليم الناظور اليوم أمام منعطف تاريخي مع اقتراب تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط واستمرار استكمال مشاريع مارتشيكا، وهما مشروعان استراتيجيان راهنت عليهما الدولة لإحداث تحول اقتصادي عميق بجهة الشرق. غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع اقتصادي يتسم بالركود، وتراجع جاذبية الاستثمار، وارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، ما يجعل السؤال المطروح بإلحاح هو: هل تكفي المشاريع الكبرى وحدها لصناعة التنمية؟
فمنذ تولي عبد الوافي لفتيت مسؤولية عمالة إقليم الناظور، مرورًا بـالعاقل بنتهامي، وصولًا إلى علي خليل، عرف الإقليم إطلاق عدد من الأوراش والمبادرات التنموية التي بعثت آنذاك دينامية لافتة وأحيت آمالًا كبيرة في تحقيق إقلاع اقتصادي شامل. غير أن هذه الدينامية فقدت زخمها تدريجيًا، وبدا وكأنها انطفأت مع مرور الوقت، في ظل تباطؤ الاستثمار، وتراجع المبادرات الاقتصادية، واستمرار عدد من المشاريع دون الأثر التنموي المنتظر.
ورغم أهمية مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره أحد أكبر المشاريع اللوجستية بالمملكة والقادر على إعادة رسم الخريطة الاقتصادية لجهة الشرق، فإن نجاحه لا يمكن أن يقاس بحجم البنيات التحتية أو عدد الأرصفة والسفن فقط، بل بقدرته على استقطاب الاستثمارات الصناعية واللوجستية، وخلق فرص شغل دائمة، وإدماج المقاولات المحلية في الدورة الاقتصادية الجديدة.
أما مشروع مارتشيكا، فقد نجح في إعادة تأهيل المجال الحضري والبيئي وتحسين صورة المدينة، لكنه لم يحقق بعد الأثر الاقتصادي المنشود بالقدر الذي كانت تنتظره الساكنة، سواء من حيث الاستثمار السياحي أو خلق فرص الشغل أو تنشيط الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل، يثير الواقع الاقتصادي بالإقليم العديد من علامات الاستفهام. فبدل أن تتحول المشاريع الكبرى إلى قاطرة لجذب الرساميل، لا يزال عدد من المستثمرين يعبرون عن تخوفهم من تعقيد المساطر الإدارية، وبطء معالجة الملفات، وضعف المواكبة، وغياب رؤية واضحة للعقار الاقتصادي، وهو ما ينعكس سلبًا على دينامية الاستثمار ويؤدي إلى نفور بعض المستثمرين نحو وجهات أخرى أكثر جاذبية.
ومع استمرار هذا الوضع، تتسع دائرة الإحباط لدى فئات واسعة من الساكنة، وخاصة الشباب الذين كانوا يعولون على هذه الأوراش لإحداث تحول اقتصادي ينعكس على التشغيل وتحسين مستوى العيش. وإذا استمرت الفجوة بين الوعود التنموية والنتائج الملموسة، فقد يترجم هذا الإحباط الجماعي إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي، بما يستوجب معالجة أسباب التعثر قبل تفاقمها.
ولا يمكن إنجاح مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني، دون تحقيق توازن حقيقي بين الاستثمار في البنيات التحتية والاستثمار في الإنسان والاقتصاد المحلي. فالميناء يحتاج، بالتوازي مع تجهيزاته، إلى مناخ أعمال محفز، وإدارة أكثر نجاعة، ومساطر مبسطة، وحكامة فعالة، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، حتى يصبح المشروع رافعة للتنمية الشاملة لا مجرد منصة لوجستية.
إن إقليم الناظور يمتلك كل المقومات ليصبح قطبًا اقتصاديًا وازنًا على الواجهة المتوسطية، لكن ذلك يظل رهينًا بإعادة بعث الدينامية التي عرفها في سنوات سابقة، واستعادة ثقة المستثمرين، وتسريع وتيرة الإصلاحات، حتى تتحول المشاريع الاستراتيجية إلى واقع اقتصادي ينعكس أثره على حياة المواطنين، ويجعل من التنمية مشروعًا يلمسه الجميع، لا مجرد وعود أو منشآت كبرى



